علي بن موسى الغرناطي الأندلسي
24
المغرب في حلي المغرب
عظيمة كان قد شيدها ، وقصر عليها جميع أمانيه ، وضرب عنقه فيها ، وفتك في أولاده ومخلّفيه أشد الفتك وشفى غيظه الكامن . ثم أخذ في التجهيز إلى قتال عمر بن حفصون الثائر الشديد في الثوّار ، وكان قيامه وامتناعه في قلعة ببشتر « 1 » بين رندة « 2 » ومالقة « 3 » ، وقد وقفت عليها ، وهي خراب ، وكانت من أمنع قلاع الأندلس لا ترام ، ولا يخشى من فيها إلا من الأجلّ ، فحصره فيها ، فيقال إن أخاه عبد اللّه ، الذي ولي بعده وكان حاضرا معه دسّ إلى الفاصد مالا على أن يسم المبضع ، ففعل ذلك ، فمات المنذر ، وبادر في الحين عبد اللّه بحمله إلى قرطبة ، وحصلت له السلطنة . وكان المنذر قد ترشّح في مدة أبيه لقود العساكر ، وعظم أمره ، واشتدت صولته ، وكان شكس الأخلاق مرّ العقاب ، ولم تطل مدته . وذكر صاحب الجذوة أنه كان مولده في سنة تسع وعشرين ومائتين ، فاتصلت ولايته سنتين غير خمسة عشر يوما . ومات في سنة خمس وسبعين ومائتين . قال الحميدي : وقد انقرض عقب المنذر . 5 - [ المستكفي محمد بن عبد الرحمن بن عبيد اللّه ابن عبد الرحمن الناصر « 4 » قال ابن حيّان : بويع محمد بن عبد الرحمن النّاصريّ يوم قتل عبد الرحمن المستظهر يوم السّبت لثلاث خلون من ذي القعدة سنة أربع عشرة وأربعمائة ، فتسمّى بالمستكفي باللّه ، اسما ذكر له ، فاختاره لنفسه ، وحكم به سوء الاتفاق عليه ، لمشاكلته لعبد اللّه المستكفي العباسي أول من تسمّى به في أفنه ووهنه ، وتخلّفه وضعفه ، بل كان هذا زائدا عليه في ذلك ، مقصّرا عن خلال ملوكيّة كانت في المستكفي سميّة ، لم يحسنها محمد هذا لفرط نخلفه ، على اشتباهما في سائر ذلك كله : من توثّبهما في الفتنة ، واستظهارهما بالفسقة ، واعتداء كل واحد منهما ] على ابن عمه ، وتولّع كل واحد منهما . شأنه بامرأة خبيثة ، فلذلك حسناء الشيرازية ولهذا بنت سكرى الموروريّة ، وكل واحد منهما خلع ، وتركه أبوه صغيرا . قال : ولم يكن من الأمر في ورد ولا صدر ، وإنما أرسله اللّه على الأمة محنة . بلغت به الحال قبل تملكه إلى أن كان يستجدي الفلاحين ، ولم يجلس في الإمارة في تلك الفتنة أسقط منه . خنق ابن عمه ابن العراقي ، وسجن ابن حزم وابن عمه أبا المغيرة ، واستؤصلت في مدته بالهدم قصور الناصر ، وهرب بين النساء لتخنيثه ، ولم يتميّز منهن .
--> ( 1 ) حصن يبعد عن قرطبة ثمانين ميلا . صفة جزيرة الأندلس للحميري ( ص 37 ) . ( 2 ) رندة : مدينة في إسبانيا الجنوبية . كانت من أمنع حصون الأندلس . المنجد في اللغة والأعلام ( ج 2 / ص 310 ) . ( 3 ) مالقة : مرفأ في جنوب إسبانيا على البحر المتوسط . المنجد في اللغة والأعلام ( ج 2 / ص 629 ) . ( 4 ) ترجمته في نفح الطيب ( ج 1 / ص 418 / 419 ) وتاريخ ابن خلدون ( ج 4 / ص 152 ) .